«جمهور روشن يتألق في مدرجات الرياضية»
لم تعد كرة القدم تُسوَّق من خلال الحملات الإعلانية التقليدية أو الأسماء الكبيرة فقط، بل أصبحت الجماهير هي المسوّق الأساسي للدوريات، وصانع القيمة الحقيقية لعقود البث، فالقيمة اليوم لا تُقاس بعدد النجوم أو حجم الإنفاق، بل بقدرة الجماهير على تحويل كل مباراة إلى تجربة حيّة وقصة مستمرة تُروى قبل المباراة، وأثناءها، وبعدها، عبر المدرجات والمنصات الرقمية في آنٍ واحد.
في دوري روشن السعودي، تتجلى هذه المعادلة بوضوح، حيث إن الناقل الرسمي لا يشتري 90 دقيقة من اللعب فقط، بل جمهورًا مستعدًا لمتابعة المباريات، والعودة، والدفع، والتفاعل، فكل ارتفاع في نسب الحضور داخل الملاعب يعني صورة تلفزيونية أكثر جاذبية، وكل زيادة في نسب المشاهدة تعني قيمة إعلانية أعلى داخل البث، وكل تفاعل رقمي ممتد قبل وبعد المباراة يعني زمن انتباه أطول يمكن بيعه للمعلنين.
الجمهور كشريك في تجربة المشاهدة
الجمهور اليوم لم يعد متفرجًا، بل شريكًا في صناعة المشهد، حيث تبدأ النقاشات والتوقعات قبل انطلاق المباريات، وتنتشر اللحظات والانفعالات خلال المباريات، وبعدها تتحوّل الأهداف والقرارات التحكيمية إلى محتوى يتداوله الملايين، وهذه الدورة المستمرة تصنع «استدامة المشاهدة»، فالناقل يقيس عدد المشاهدين، ومتوسط زمن المشاهدة، ومعدل التفاعل الرقمي، وكلما ارتفعت هذه المؤشرات، ارتفعت قوة الدوري في أي مفاوضات مستقبلية على حقوق البث.
هوية الدوري وتأثير الجماهير
تكمن القوة الأعمق في أن الجماهير تصنع هوية الدوري، حيث تُضفي الأهازيج، والألوان، والديربيات، والذاكرة الجماعية طابعًا خاصًا على المنتج، فالمشاهد الخارجي لا يتابع المباراة فقط، بل يتابع الشغف والانتماء، وهذه العناصر تجعل الدوري قابلًا للتصدير، وجاذبًا للمنصات الدولية.
تأثير السوشال ميديا
مع صعود السوشال ميديا، تضاعف التأثير، فكل من يحضر المباراة، أو يشاهدها، أو يعلق عليها، أو يتفاعل مع جماهير نادٍ آخر، يُشارك في رفع قيمة الدوري السوقية، فالمزاح، والجدل، والمقاطع القصيرة تتحوّل إلى دعاية غير مباشرة تزيد من انتشار الدوري خارج حدوده الجغرافية، مما ينعكس مباشرة على تقييمه التجاري.
الشراكة مع الناقل الرسمي
من المهم أن يدرك الناقل الرسمي أن الجمهور العاشق للسوشال ميديا ليس خصمًا لحقوق البث، بل شريكًا في زيادة قيمتها، فحرمان المشجع من الإبداع في نقل اللحظات، أو تقييد تفاعله المسموح، قد يقلص دائرة الانتشار بدلًا من حمايتها، لذا يتطلب الأمر توفير مساحة للمحب والعاشق للابتكار ضمن إطار منظم، فكل مقطع متداول، وكل لحظة يُعيد الجمهور صياغتها بطريقته، تعتبر امتدادًا مجانيًا للبث الرسمي، وليست منافسًا له.
القيمة التسويقية للاعبين والأندية
الجماهير ترفع القيمة التسويقية للاعبين والأندية معًا، فاللقطة التي يصنعها اللاعب داخل الملعب تتحوَّل بفضل التفاعل الجماهيري إلى أصل تجاري قابل لإعادة التداول، وكلما زاد التفاعل، زادت شهية المعلنين، وارتفعت قيمة البث والرعايات، لأن الشركات تبحث عن مجتمع نشط لا عن مشاهد صامت.
التجربة السعودية وتأثير الجماهير
في التجربة السعودية الحالية، لم يكن الزخم نتاج الصفقات وحدها، بل نتاج جماهير أعادت رواية الدوري بلغتها الخاصة، الحضور، النقاشات اليومية، والانتشار الرقمي المستمر، كلها شكَّلت منظومة تسويق غير مباشرة عزَّزت مكانة الدوري في نظر أي ناقل رسمي.
خلاصة
أخيرًا، قيمة الدوري لا تُبنى بالإعلانات وحدها، بل بالجماهير التي تعيش قصته وترويها يوميًا، فالناقل الرسمي يستثمر في الشغف بقدر ما يستثمر في الإنتاج، وعندما يُمنح المشجع مساحة ليبدع، يتحوَّل من مستهلك محتوى إلى صانع قيمة، ويرتفع سقف الأرقام بقدر ما يرتفع صوت المدرجات ويتسع صدى المنصات.
