«بناء جسور بين التعليم وسوق العمل» المجلس الاستشاري للصناعة في مصر يعزز التعاون مع الجامعات
تشهد مؤسسات التعليم العالي في مصر تحولات جذريّة، حيث تبرز الجامعات التكنولوجية كأحد أهم المراكز التي تُعد الكوادر القادرة على التفاعل مع سوق العمل الصناعي والتقني.
من بين هذه المؤسسات، تميّزت جامعة الدلتا التكنولوجية، التي استطاعت خلال فترة قصيرة ترسيخ فلسفة تعليمية ترتكز على الجمع بين المعرفة الأكاديمية والتطبيق العملي، بما يتماشى مع رؤية الدولة لتحقيق التنمية المستدامة والتحول نحو الاقتصاد القائم على التكنولوجيا.
أجرى «إيجبتك» حوارًا موسعًا مع الدكتور وجيه أحمد العسكري، رئيس جامعة الدلتا التكنولوجية، لتقييم أداء الفصل الدراسي الأول، وتسليط الضوء على خطط الجامعة خلال الفصل الدراسي الثاني، ورؤيتها في إعداد الخريجين وتمكينهم بالمهارات التي يحتاجها سوق العمل، خصوصًا في مجالات الميكاترونكس والطاقة المتجددة وتكنولوجيا المعلومات.
تناول الحوار أيضًا منظومة الامتحانات والتقييم، وبرامج التدريب العملي، وآليات دعم الطلاب، بالإضافة إلى ملف الشراكات مع القطاع الصناعي، وخطط تطوير المعامل والبنية التكنولوجية، ودور الجامعة في دعم الابتكار وريادة الأعمال والتحول الرقمي للخدمات الطلابية.
أكد الدكتور وجيه العسكري أن الجامعة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي مشروع وطني يهدف إلى بناء جيل تقني قادر على التنافس، مشددًا على أن المرحلة المقبلة ستشهد توسعًا في التعاون مع الصناعة وتطوير المناهج بما يضمن تخريج كوادر تمتلك المعرفة والمهارة سويًا.
كيف تقيمون الأداء الأكاديمي العام خلال الفصل الأول، وما التحديات الرئيسية التي تواجه الجامعة في تطبيق التعليم التكنولوجي التطبيقي وفق متطلبات سوق العمل؟
مع نهاية الفصل الدراسي الأول وبداية الفصل الثاني، يمكن القول إن الأداء الأكاديمي في جامعة الدلتا التكنولوجية قد كان مُرضيًا بدرجة كبيرة، خصوصًا بالنظر إلى حداثة تجربة الجامعات التكنولوجية في مصر، وما تحمله من فلسفة تعليمية مغايرة للنمط التقليدي. استطاعت الجامعة أن تؤسس خلال الفصل الأول نموذجًا تعليميًا يجمع بين الجوانب النظرية والتطبيقات العملية، مما انعكس على تفاعل الطلاب داخل القاعات والمعامل.
على الرغم من هذه الإنجازات، يبقى التحدي الأكبر هو مواكبة التطور السريع في سوق العمل المحلي والإقليمي، حيث أن التخصصات التكنولوجية تتغير أدواتها بشكل شبه يومي، وبالتالي يصبح من الضروري تحديث المناهج باستمرار وتحقيق توافق حقيقي بين المحتوى الأكاديمي والتطبيق المهني. الهدف الأساسي هو ترسيخ ثقافة التعليم القائم على المهارات والابتكار، ونقل الطلاب من مفهوم الحفظ النظري إلى فضاء التفكير التطبيقي القادر على حل المشكلات الصناعية الحقيقية.
كيف ترون دور جامعة الدلتا التكنولوجية في إعداد خريجين يمتلكون الكفاءات الفنية والعلمية التي يحتاجها الاقتصاد المصري، خاصة في مجالات مثل الميكاترونكس والطاقة المتجددة وتكنولوجيا المعلومات؟
تلعب جامعة الدلتا التكنولوجية دورًا وطنيًا محوريًا في نظام التعليم العالي، حيث تسعى لتوليد كوادر تمتلك القدرة على دعم خطط التنمية الصناعية والاقتصادية للدولة. تركز الجامعة بشكل أساسي على تخصصات استراتيجية تمثل عمود الاقتصاد الحديث، مثل الميكاترونكس والطاقة المتجددة وتكنولوجيا المعلومات.
تعد هذه المجالات ركائز ضرورية في عملية التحول الصناعي والتنمية المستدامة في مصر، لذا تضمن الجامعة لطلابها تزويدهم بالمعارف العلمية والمهارات الفنية التي تؤهلهم للعمل المباشر في المصانع والشركات دون الحاجة إلى فترات تأهيل طويلة. رؤيتنا ترتكز على تخريج تقنيين ومهندسين يمتلكون القدرة على الابتكار والتطوير، وليس فقط تنفيذ التعليمات.
كيف تقيمون منظومة التقييم وضوابط الامتحانات خلال الفصل الأول، وما التحسينات التي ستدخلونها خلال الفصل الثاني؟
شهدت منظومة الامتحانات خلال الفصل الدراسي الأول الالتزام الكامل بمعايير الشفافية والانضباط، وتم توفير بيئة امتحانية مستقرة لجميع الطلاب، مع اتباع دقيق للوائح المنظمة للعملية. حرصت الجامعة على أن تعكس الاختبارات نواتج التعلم الحقيقية، وليست مجرد قياس للحفظ.
ومع ذلك، نواصل العمل على تحسينات خلال الفصل الدراسي الثاني، حيث سنطور أساليب التقييم لتصبح أكثر ارتباطًا بالمهارات العملية والتطبيقية. سنقوم بالتوسع في نظم التقييم المستمر والمشروعات التطبيقية، وتقليل الاعتماد على الامتحانات النهائية كمقياس وحيد للأداء.
كما نولي اهتمامًا متزايدًا للأساليب الإلكترونية في مختلف جوانب العملية التعليمية؛ إذ تُعلن النتائج إلكترونيًا لتسهيل الوصول إليها بسرعة ودقة، وتم إدخال عدد من المقررات وأساليب التقييم الرقمية، مما يدعم تطوير تجربة التعلم ويعزز استخدام التكنولوجيا في التعليم، ويعكس التزام الجامعة بمواكبة التطورات الحديثة وتحسين جودة الخدمات الأكاديمية.
ما الإجراءات التي اتخذتها الجامعة لدعم الطلاب الذين يحتاجون تدريبًا عمليًا أو توجيهًا مهنيًا، خاصة في التخصصات التكنولوجية التي تعتمد على مهارات تطبيقية؟
منذ بداية عمل الجامعة، تم التركيز على الجانب التطبيقي، مما أدى إلى زيادة ساعات التدريب العملي داخل المعامل وورش العمل، وتجهيزها لتكون قريبة من بيئة العمل الحقيقية. كما جرى توسيع برامج التدريب الصيفي بالتعاون مع عدد من المؤسسات الصناعية بهدف تمكين الطلاب من اكتساب خبرة مباشرة قبل التخرج.
أنشأت الجامعة وحدات متخصصة للإرشاد المهني، التي تهدف لمساعدة الطلاب في تحديد اختياراتهم المهنية مبكرًا، وتعريفهم بمتطلبات سوق العمل، وربط دراستهم باحتياجات الشركات والمصانع، لضمان أن يتخرج الطلاب بمعلومات متناسبة تمامًا مع الواقع المهني.
كيف تتعاملون مع تفاوت مستويات الطلاب بين خريجي التعليم العام والفني، وما برامج الدعم الأكاديمي التي توفرونها لهم؟
ندرك تمامًا أن هناك تفاوت في الخلفيات التعليمية لدى الطلاب الذين يأتون من التعليم العام ونظرائهم من التعليم الفني، وهذا أمر طبيعي في أي جامعة تكنولوجية. لذلك، وضعت الجامعة مجموعة من برامج الدعم الأكاديمي، تتضمن مقررات تمهيدية في العلوم الأساسية، ودروس تقوية، ونظم متابعة فردية للطلاب الأكثر حاجة.
الهدف من هذه البرامج هو تحقيق العدالة التعليمية وتكافؤ الفرص، وضمان أن يبدأ جميع الطلاب من نقطة متقاربة، تسمح لهم بالاستمرار والنجاح دون أن تحول الاختلافات في الخلفورات الدراسية إلى عائق أمام التفوق.
ما رؤيتكم لتعزيز شراكات الجامعة مع الصناعة لتسهيل التدريب والتوظيف لخريجي التخصصات التكنولوجية؟
تعزيز الشراكات مع القطاع الصناعي يُعتبر أحد أهم محاور الاستراتيجية الأساسية للجامعة، فإن التعليم التكنولوجي لا يمكن أن ينجح بمعزل عن المصانع والشركات. نحن نعمل على توقيع بروتوكولات تعاون مع المؤسسات الكبرى، ليس فقط لتوفير فرص تدريب للطلاب، بل أيضًا لإشراك هذه الجهات في تطوير المناهج الدراسية.
لدينا خطة لإنشاء مجلس استشاري للصناعة، ليكون حلقة وصل دائمة بين الجامعة وسوق العمل، بهدف تحديث المقررات بما يتلاءم مع احتياجات الجهات الصناعية، وبالتالي توفير فرص عمل مباشرة للخريجين المتميزين لدينا.
كيف تديرون تطوير البنية التعليمية والتقنية في المختبرات والمعامل لتحقيق التعلم التطبيقي الذي تسعى إليه الجامعة؟
تضع الجامعة تطوير البنية التحتية في مقدمة أولوياتها، حيث يتم تحديث المعامل والمختبرات بصفة مستمرة وتزويدها بأحدث الأجهزة والتقنيات التعليمية. نحن نحرص على توفير بيئة تعليمية تُشبه بيئة العمل الفعلية، سواء من حيث المعدات أو أساليب التشغيل.
هذا التطور يهدف ليس فقط لتحسين جودة الدراسة، بل لتعزيز جاهزية الطلاب للاندماج في سوق العمل فور تخرجهم، بما يمكنهم من التعامل مع التقنيات الحديثة دون أي فجوة بين ما تعلموه وما يواجهونه في الواقع.
ما دور الجامعة في دعم الابتكار وريادة الأعمال، وهل هناك خطط لاحتضان المشاريع الطلابية وتحويلها إلى شركات ناشئة؟
تولي الجامعة اهتمامًا بالغًا بتشجيع الابتكار وريادة الأعمال، فالتعليم التكنولوجي الحقيقي هو الذي يحول الأفكار إلى منتجات وخدمات. نحن ندعم مشروعات التخرج التطبيقية، ونشجع الطلاب على تقديم حلول لمشكلات حقيقية في المجتمع والصناعة.
نعمل على إنشاء حاضنة تكنولوجية داخل الجامعة لاحتضان الأفكار المبتكرة وتحويلها إلى مشروعات قابلة للتطبيق، وذلك بالتعاون مع جهات تمويلية ومؤسسات داعمة بهدف تحويل هذه المشروعات إلى شركات ناشئة تسهم في الاقتصاد الوطني.
كيف تقيمون مستوى التحول الرقمي في الخدمات الطلابية، وما التحديثات التي يتم إدخالها لضمان استمرارية هذه الخدمات؟
لقد حققت الجامعة تقدمًا كبيرًا في مجال التحول الرقمي، خصوصًا في خدمات القبول والتسجيل، والخدمات الطلابية الإلكترونية، والمكتبات والامتحانات. الاعتماد على الأنظمة الرقمية أصبح جزءًا أساسيًا من إدارة العملية التعليمية.
حاليًا، يتم تطوير المنصات الإلكترونية لتقديم خدمات أكثر سرعة وكفاءة، مما يسهل تجربة الطالب داخل الجامعة، ويضمن استمرار العمل بدون معوقات، مما يعد أحد المكتسبات من تجربة التحول التكنولوجي الحديثة.
ما رسالة رئيس الجامعة للطلاب وأعضاء هيئة التدريس في جامعة الدلتا التكنولوجية؟
أوجه رسالة شكر وتقدير وثقة لأبنائي الطلاب وزملائي أعضاء هيئة التدريس، وجميع العاملين بالجامعة، فالتقدم الذي تم تحقيقه هو نتاج لمجهود مشترك وتعاون جماعي.
أدعو الجميع للمضي قدمًا بروح الفريق، فجامعة الدلتا التكنولوجية ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي مشروع وطني يهدف إلى إعداد جيل قادر على بناء مستقبل أفضل لمصر، حيث يبدأ المستقبل الحقيقي من هذه القاعات والمعامل.
يظهر من حديث الدكتور وجيه العسكري أن جامعة الدلتا التكنولوجية تسير وفق رؤية متكاملة لا تكتفي بتقديم تعليم تقليدي، بل تسعى لبناء منظومة معرفية مرتبطة بالصناعة والإنتاج. وأكد أن مستقبل التعليم في مصر يرتبط بمدى قدرة الجامعة على إنتاج خريجين يمتلكون مهارات حقيقية قابلة للتطبيق، وليس مجرد شهادات أكاديمية.
وفق ما تم عرضه من قبل رئيس الجامعة، فإنها تتبنى مسارًا محدثًا للمعامل، وتطوير المناهج، والانفتاح على القطاع الخاص، وتوفير بيئة مواتية للابتكار وريادة الأعمال، مما يجعلها نموذجًا جامعيًا يُستهدف سد الفجوة بين التعليم وسوق العمل.
كما أن التركيز على التحول الرقمي في الخدمات الطلابية ومنظومة التقييم يدل على أن التجربة تسير بخطى ثابتة نحو بناء جامعة ذكية تتماشى مع العصر.
المسؤوليات الملقاة على عاتق الطلاب وأعضاء هيئة التدريس تتطلب تكاتف الجميع، مع التطلعات للتوسع وتعزيز الشراكات مع الصناعة، تبدو جامعة الدلتا التكنولوجية مرشحة لتكون واحدة من أهم مصادر إعداد الكوادر التقنية في مصر خلال السنوات القادمة، بما يخدم أهداف التنمية ويعزز قدرة الاقتصاد الوطني في التنافس الإقليمي والدولي.
