«كشف استراتيجيات ترامب» أستاذة اقتصاد تناقش أسباب تراجع الدولار مقابل الذهب

«كشف استراتيجيات ترامب» أستاذة اقتصاد تناقش أسباب تراجع الدولار مقابل الذهب

يشغل الدولار الأمريكي موقعًا محوريًا داخل النظام النقدي الدولي، حيث يُعتبر العملة الأكثر استخدامًا في التجارة العالمية والتمويل، وهو العملة المرجعية التي تقاس بناءً عليها قوة أو ضعف باقي العملات الاحتياطية.

ذكرت الدكتورة ريهام مطاوع، أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة السويس، أنه مع بداية عام 2026، بلغ سعر الدولار في السوق المصري حوالي 47 جنيهًا، وهو ما يسمح بمقارنة واضحة بينه وبين باقي العملات الرئيسية المستخدمة كعملات احتياطية عالمية، مشيرة إلى أن مقارنة الدولار باليورو تُظهر أن اليورو لا يزال يحتفظ بقوة سعرية أعلى نسبيًا، حيث بلغ سعره في السوق المصري نحو 56.2 جنيهًا، ما يعادل تقريبًا 0.83 يورو لكل دولار واحد، مما يعكس استمرار الفجوة السعرية لصالح اليورو، رغم التحديات الاقتصادية التي تواجه منطقة اليورو، إذ لا تزال العملة الأوروبية تحافظ على وزنها كعملة احتياطية ثانية بعد الدولار.

أما الجنيه الإسترليني، فسجل نحو 64.7 جنيهًا مصريًا، أي ما يعادل تقريبًا 0.72–0.73 جنيه إسترليني للدولار الواحد، وهذا يعكس تفوقًا اسميًا للجنيه الإسترليني من حيث القيمة، رغم التذبذبات الاقتصادية الناتجة عن تداعيات ما بعد “بريكست” وتشديد السياسة النقدية، ولكن الإسترليني لا يزال أقل انتشارًا من الدولار واليورو من حيث الاستخدام العالمي في الاحتياطيات.

فيما يتعلق بالدولار الأسترالي، فقد بلغ سعره حوالي 32.9 جنيهًا مصريًا، أي ما يعادل تقريبًا 0.70 دولار أسترالي للدولار الأمريكي، مما يعكس استمرار قوة الدولار مقارنةً بعملات الاقتصادات المعتمدة على تصدير السلع الأولية، حيث تتأثر العملة الأسترالية بدورات أسعار السلع العالمية وخطط السياسة النقدية المرنة لبنك الاحتياطي الأسترالي.

وعلى صعيد العملات الآسيوية، يظهر التباين بشكل أوضح، فقد سجل اليوان الصيني نحو 6.95 يوان للدولار الواحد، مما يعكس سياسة سعر صرف مُدارة تهدف إلى دعم تنافسية الصادرات الصينية، أكثر من التعبير عن قوة أو ضعف اقتصادي مباشر، ورغم التوسع المتزايد في استخدام اليوان في المعاملات التجارية، إلا أن الدولار لا يزال يتفوق عليه بشكل كبير في عمق الأسواق والسيولة. أما الين الياباني، فقد بلغ مستواه حوالي 153–154 ينًا للدولار الواحد، وهو أحد أضعف مستويات الين خلال العقود الأخيرة، مما يعكس السياسة النقدية التيسيرية لبنك اليابان، مقابل التشديد النقدي النسبي في الولايات المتحدة، ما عزز قوة الدولار تجاه الين بشكل ملحوظ.

يُعتبر الفرنك السويسري من العملات القليلة التي تنافس الدولار من حيث الثقة والاستقرار، حيث بلغ سعره نحو 61.2 جنيهًا مصريًا، ما يعادل تقريبًا 0.77 فرنك سويسري للدولار الواحد، مما يؤكد استمرار الفرنك كعملة ملاذ آمن، على الرغم من محدودية نطاق استخدامه الدولي مقارنة بالدولار.

تؤكد مطاوع أن المقارنات الرقمية تظهر أن قوة الدولار لا تُقاس فقط بقيمته الاسمية أمام العملات الأخرى، بل بدوره الهيكلي داخل النظام النقدي العالمي، فرغم تفوق بعض العملات عليه من حيث السعر، لا يزال الدولار يمثل أكثر من 56% من الاحتياطيات العالمية، مما يمنحه قدرة استثنائية على التأثير في حركة رؤوس الأموال، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق المالية الدولية.

أضافت الدكتورة ريهام مطاوع أن الدولار الأمريكي شهد مؤخرًا موجات من الضعف النسبي أمام عدد من العملات الرئيسية، بالتزامن مع صعود ملحوظ في أسعار الذهب، مما يعكس تحولات هيكلية في البيئة الاقتصادية والمالية العالمية، وليس مجرد تقلبات قصيرة الأجل. يمكن تفسير هذا المسار من خلال مجموعة مترابطة من العوامل النقدية والمالية والسياسية.

توقعات أسعار الفائدة

يُعتبر تراجع توقعات أسعار الفائدة الأمريكية أحد الأسباب الرئيسية لضعف الدولار، مع انخفاض معدلات التضخم نسبيًا مقارنة بذروتها في 2022-2023، بدأت الأسواق تتوقع توجه الاحتياطي الفيدرالي نحو التيسير النقدي أو على الأقل وقف دورة التشديد، مما يقلل من جاذبية الأصول المقومة بالدولار، ويدفع جزءًا من رؤوس الأموال نحو عملات وأسواق أخرى ذات عوائد متوقعة أعلى، مما يضعف الطلب على الدولار.

العجز المالي والتجاري

ساهم اتساع العجز المالي والتجاري الأمريكي في الضغط على الدولار على المدى المتوسط، فالولايات المتحدة تسجل عجزًا مستمرًا في الموازنة والحساب الجاري، مما يعني الاعتماد الدائم على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية لتمويل هذا العجز، ومع تزايد الدين العام الأمريكي، بدأت الأسواق تعيد تقييم الاستدامة المالية على المدى الطويل، مما يعكس سلبًا على قوة الدولار كعملة احتياطية، حتى وإن ظل مسيطرًا من حيث الحجم.

عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي

لعبت حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي العالمي دورًا مزدوجًا، حيث أدت إلى تراجع الثقة في العملات الورقية عمومًا، بما فيها الدولار، وجعلت المستثمرين يتجهون نحو الأصول الآمنة مثل الذهب، فكلما تراجعت الثقة في القوة الشرائية على المدى الطويل للدولار، زادت جاذبية الذهب كأداة للتحوط ضد التضخم وعدم الاستقرار.

تأثير أسعار الفائدة على الذهب

رغم أن الذهب لا يدر عائدًا، إلا أنه يصبح أكثر جاذبية عندما تنخفض أسعار الفائدة الحقيقية (أي الفائدة الاسمية مطروحًا منها التضخم)، ومع انخفاض العوائد الحقيقية على السندات الأمريكية، تقل التكلفة المحتملة للفرصة المحتفظ بها في الذهب، مما يدفع أسعاره للصعود مقابل الدولار.

سياسات ترامب وتأثيرها

كان لسياسات دونالد ترامب تأثير مباشر وغير مباشر على إضعاف الدولار، سواء خلال فترة رئاسته أو من خلال التوقعات بعودته، حيث تبنى ترامب سياسات تجارية حمائية، شملت فرض رسوم جمركية، مما أدى إلى توترات تجارية عالمية وزيادة عدم اليقين في الأسواق، وهو ما أضعف الثقة في استقرار النظام التجاري الذي يقوده الدولار، ودفعت بعض الدول للبحث عن بدائل. كما اتسم خطاب ترامب الاقتصادي بانتقاد الدولار القوي باعتباره ضارًا بالصادرات الأمريكية، مما عزز توقعات الأسواق باتجاه سياسي داعم لعملة أضعف.

ساهمت التخفيضات الضريبية الواسعة التي تمت خلال ولايته في زيادة العجز المالي والدين العام، مما كان له تأثير هيكلي على الدولار على المديين المتوسط والطويل. ومن منظور أعمق، تسارع توجه بعض الدول، خاصة المتقدمة والناشئة، نحو تنويع احتياطياتها وتقليل الاعتماد على الدولار، وهو اتجاه يدعم استخدام الذهب والعملات البديلة.

خلصت الأستاذة إلى أن ضعف الدولار لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين السياسة النقدية الأمريكية، والاختلالات المالية، بالإضافة إلى التحولات السياسية المرتبطة بسياسات ترامب، وزيادة عدم اليقين العالمي، مما جعل الذهب مرآة تعكس تراجع الثقة في العملات الورقية، وليس بديلاً كاملاً للدولار، بل أداة للتحوط في زمن تقلبات اقتصادية غير مسبوقة.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *