«عندما يُعاد تعريف الندرة، ما الذي يبرز كالأكثر أهمية؟»
في غرف التداول بنيويورك وسنغافورة هذه الأيام، يسود جوٌّ من التوتر غير المسبوق، حيث تستمر أسعار الذهب في التذبذب، ويشهد البيتكوين تقلباتٍ حادة، وقد أصبحت هذه الأصول جزءاً لا يتجزأ من محافظ صناديق التقاعد، مما يطرح سؤالاً هاماً: في عالمٍ متقلب كهذا، أين يكمن الملاذ الآمن الحقيقي؟
تحول التفكير في السوق
الأمر لا يقتصر على مجرد تقلبات الأسعار، فالسوق يشهد تحولاً جذرياً في التفكير، استناداً إلى تحليلات من كوينتيليغراف، وذا ستريت، وغوبانكينغ ريتس، فإننا ندخل عصر “إعادة تقييم الندرة”، حيث يصبح الاعتقاد وبنية السوق أكثر أهمية من الاحتياطيات الجيولوجية.
إعادة تقييم الندرة في 2026
في عام 2026، اتخذ مفهوم الندرة معنى مختلفًا، وتمثل الأصول الثلاثة بيتكوين والذهب والفضة الندرة بطرقها الفريدة، عندما يكون النقص أكثر من مجرد “استخراج الأشياء من الأرض”. لعقود طويلة، كانت معادلة الاستثمار بسيطة: ما هو نادر فهو قيّم، وقد جسّد الذهب والفضة، بمحدوديتهما المادية الطبيعية، هذا الفكر خير تجسيد، لكن هذا العام، تعرّض هذا المفهوم للاضطراب.
معايير تقييم الندرة الحالية
وفقًا لتحليل متعمق من كوينتيليغراف، يتم تقييم الندرة الحالية من خلال ثلاث عدسات وثيقة الصلة: الموثوقية (هل آلية الندرة جديرة بالثقة؟)، والسيولة (هل من السهل الخروج من المراكز؟)، والتنقل (كيف يتم نقل القيمة عبر الحدود؟).
تحويل الأصول إلى أصول مالية
جاء التغيير الأكبر من تحويل هذه الأصول إلى أصول مالية، فقد أدى ازدهار صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) وأسواق المشتقات إلى خلق غطاء جديد على الندرة المادية.
لا يحتاج المستثمرون إلى امتلاك سبائك ذهبية أو مفاتيح محافظ بيتكوين، بل يتداولون “وعد” الندرة من خلال حسابات الأوراق المالية، مما يسمح بتدفق رأس المال بشكل أسرع، ولكنه يجعل الأسعار أكثر حساسية للصدمات الاقتصادية الكلية بدلاً من مجرد تأثرها بالعرض والطلب الفعليين.
أسواق الذهب في 2026
تشير البيانات من TheStreet إلى توقعات ديناميكية للغاية لسوق الذهب لعام 2026، فبعد ارتفاعه بنسبة تصل إلى 63% في عام 2025، واصل الذهب زخمه الصعودي في وقت سابق من هذا العام مع مكاسب بلغت حوالي 6% في يناير.
مع ذلك، لن يُقاس وضع الذهب في عام 2026 بكمية الخام التي يمكن استخراجها فحسب، بل ستتجه قيمته نحو الثقة والحياد.
الذهب كضمان عالمي
في ظل التوترات الجيوسياسية، يُنظر إلى الذهب كأصل لا يخضع لمخاطر الطرف المقابل، لا تشتري المؤسسات المالية الذهب لمجرد انتظار ارتفاع الأسعار، بل تشتريه لقدرته على العمل بثبات عندما يتعرض النظام المالي لضغوط، يضمن الذهب المادي التخزين الآمن، بينما يضمن “الذهب الورقي” (من خلال صناديق المؤشرات المتداولة وعقود المشتقات) السيولة.
لطالما امتلك الذهب القدرة على إحداث ارتفاعات كبيرة في السوق، ففي عام 2025، ارتفع سعر الذهب بنسبة 63%، ومنذ نهاية عام 2019، وصل الارتفاع إلى حوالي 184%.
توقعات وول ستريت لعام 2026
مع ذلك، يبقى التاريخ عبرةً ضرورية، يستذكر الخبير تشارلي بلين في موقع “ذا ستريت” درس عام 1980: عندما بلغ سعر الذهب ذروته عند 850 دولارًا للأونصة وسط التضخم، حلم الكثيرون بالوصول إلى 1000 دولار، ولكن بعد ذلك، تسببت أسعار الفائدة المرتفعة ومتطلبات الهامش المشددة في انهيار أسعار الذهب بأكثر من 60%، واستغرق الأمر 28 عامًا للعودة إلى ذروتها السابقة.
تتسم توقعات وول ستريت لعام 2026 بالتفاؤل، حيث يبلغ متوسط السعر المتوقع 5180 دولارًا للأونصة، وقد عدّلت غولدمان ساكس توقعاتها لسعر الذهب بنهاية العام إلى 5400 دولار للأونصة، بل وتتوقع يارديني ريسيرش أن يصل السعر إلى 6000 دولار، مع ذلك، ينبغي على المستثمرين الأفراد توخي الحذر من أي تعديلات حادة محتملة في حال حدوث تغيرات مفاجئة في أسعار الفائدة.
البيتكوين: التحول إلى أداة مالية
إذا كان الذهب يُمثل ندرة الجيولوجيا، فإن البيتكوين يُمثل ندرة الرياضيات، فمع حدٍّ صارم يبلغ 21 مليون وحدة وخطة إصدار شفافة، يُوفر البيتكوين ضمانًا مطلقًا للإمداد لا يُضاهيه أي أصل آخر.
مع ذلك، فإنّ صورة البيتكوين في عام 2026 تختلف اختلافًا كبيرًا عن مراحلها الأولى، فبحسب موقع كوينتيليغراف، يجري العمل على تخفيف ندرة البيتكوين، وقد حوّل وصول المستثمرين إلى البيتكوين، بشكل أساسي عبر صناديق المؤشرات المتداولة الفورية، من أصل رقمي شخصي إلى أداة مالية في وول ستريت.
الوجهان الأقل للإستثمار في البيتكوين
لهذا الأمر وجهان، فمن جهة، يجلب كميات هائلة من الأموال ويحظى بقبول واسع النطاق، ومن جهة أخرى، أصبح سعر البيتكوين يتأثر الآن بشكل أكبر بأنشطة التحوط وإدارة السيولة وميول سوق الأسهم أكثر من تأثره بالعوامل الجوهرية لتقنية البلوك تشين نفسها.
تشير البيانات التاريخية من موقع Gobankingrates إلى أن البيتكوين شهد تقلبات حادة خلال فترات عدم الاستقرار، مثل جائحة 2020 (حيث انخفض بنسبة 50% ثم ارتفع بنسبة 300%)، وفي عام 2026، ومع ازدياد انخراط سوق المشتقات المالية، قد تجعل الرافعة المالية هذه التقلبات أكثر صعوبة في التنبؤ، على الرغم من أن ندرة البيتكوين الأساسية لا تزال ثابتة.
الفضة: سوق المعادن المعقدة
من بين هذه المتغيرات الثلاثة، تُعد الفضة المتغير الأكثر تعقيداً، فعلى عكس الذهب، الذي يُعتبر مخزناً للقيمة، أو البيتكوين، الذي يتم برمجته، يتعين على الفضة أن “تخدم” جهتين متعارضتين في آن واحد: المستثمرين والصناعيين.
في عام 2026، سيؤدي الطلب المتزايد على الخلايا الشمسية والإلكترونيات والمنتجات عالية التقنية إلى تقليص المعروض المادي من الفضة، ويشير موقع كوينتيليغراف إلى أن هذا الدور المزدوج يجعل تسعير الفضة أمراً صعباً، فحتى لو لم يُبدِ المستثمرون اهتماماً كبيراً، فإن الطلب الصناعي لا يزال قادراً على رفع الأسعار، في المقابل، حتى النقص الطفيف في الفضة المادية قد يدفع رؤوس الأموال المضاربة إلى تضخيم ارتفاع الأسعار بشكل كبير.
في الواقع، شهد هذا العام ارتفاعًا في أسعار الفضة بنسبة تصل إلى 23٪، متجاوزة حتى الذهب من حيث السرعة، حيث وصلت بعض الجلسات إلى علامة 100 دولار للأونصة، على الرغم من أنها شهدت انخفاضًا حادًا بعد ذلك.
حساسية سوق الفضة
مع ذلك، فإن سوق الفضة أصغر بكثير من سوق الذهب، مما يجعله شديد التأثر بعقود المشتقات، فعندما تتدفق الأموال إلى الخارج، عادةً ما تنخفض قيمة الفضة بشكل حاد وسريع أكثر من الذهب، وهذا يمثل مفاضلة بين الربح المحتمل والمخاطرة التي يجب على المستثمرين دراستها بعناية.
استراتيجية المحفظة لعام 2026
إذن، في سياق الوضع الطبيعي الجديد لعام 2026، ما الذي ينبغي على المستثمرين فعله؟
لا يكمن الحل في محاولة التنبؤ بأي أصل سيحقق أداءً أفضل، بل في فهم دور كل أصل في المحفظة الاستثمارية، ووفقًا لموقع Gobankingrates، فإن بناء محفظة استثمارية متوازنة هو مفتاح الحفاظ على رأس المال واغتنام فرص النمو.
ينقسم السوق بوضوح إلى أدوار، البيتكوين مخصص لأولئك الذين يسعون إلى ندرة عالية الحركة، ويقبلون بتقلبات عالية مقابل إمكانية النمو الهائل والشفافية الخوارزمية، ويُعتبر الذهب بمثابة “مرساة” للثقة، وملاذ آمن عندما يتعثر النظام المالي، مع إعطاء الأولوية للاستقرار العالمي والسيولة.
في الوقت نفسه، يعتبر الاستثمار في الفضة رهانًا مختلطًا بين العملة والازدهار الصناعي، وهو مناسب لأولئك الذين لديهم شهية متوسطة إلى عالية للمخاطر وتوقعات بانتعاش قطاع التصنيع، ويرتبط ندرة الفضة بالطلب الصناعي وحساسيتها لتقلبات العرض.
المفاضلة بين الندرة واليقين
أبرز موقع كوينتيليغراف اتجاهاً مثيراً للاهتمام يتمثل في المفاضلة بين الندرة واليقين، فالبيتكوين متوفر بشكل مؤكد، لكن وضعه القانوني غير مؤكد (في بعض المناطق)، أما الذهب، فوضعه القانوني مؤكد، لكن تكاليف تعدينه المستقبلية متغيرة، ويقع الفضة في مكان ما بينهما.
ختاماً، ليس عام 2026 هو الوقت المناسب لمناقشة ما إذا كان البيتكوين سيحل محل الذهب، بل هو الوقت المناسب للمستثمرين لإدراك أن مفهوم الندرة يُعاد صياغته، والسؤال الأهم بالنسبة لمحفظتك ليس “هل هذا الأصل نادر؟”، بل “كيف تُقيّم هذه الندرة ضمن الهيكل المالي الحالي؟”.
بمجرد أن تفهم هذه القواعد الجديدة للعبة، ستجد مكانك الصحيح وسط أمواج السوق المضطربة.
ملاحظة: هذه المقالة لأغراض إعلامية فقط، وتقدم منظورًا قائمًا على بيانات دولية محدّثة، وتعتمد تقلبات أسعار الأصول على العديد من العوامل الاقتصادية الكلية غير المتوقعة؛ لذا ينبغي على المستثمرين توخي الحذر وتحمّل مسؤولية قراراتهم المالية.
المصدر:
